تكنولوجياشركات

لقاء الإنسان مع ذاته في عيون روبوت

لقاء الإنسان مع ذاته في عيون روبوت تقنية يابانية وإبداعات سوفتبانك softbank

في صباح هادئ بمدرسة ابتدائية في طوكيو، وقف طفل صغير أمام كائن أبيض يلمع تحت ضوء الشمس الداخل من النافذة. مدّ يده بتردد، فتقدم الكائن نحوه برشاقة، وانحنى. “أنا بيبر. سعيد بلقائك.” صوت ناعم، لكنه واضح. ابتسم الطفل، وأمسك بيد الآلة. في تلك اللحظة، لم يكن هذا مجرد روبوت. كان جسراً.

ولد بيبر Pepper في الخامس من يونيو ٢٠١٤، بطول ١٢١ سم، ليس كباقي الآلات. لقد جاء إلى هذا العالم بسؤال فلسفي بسيط وعميق: ماذا لو لم يكن الروبوت من عالم الخيال العلمي، بل رفيقاً يشاركك الحياة اليومية؟

اليوم، وهو يرحب بالزوار في مراكز التسوق، ويسلي المسنين في دور الرعاية، ويساعد الأطفال على تعلم البرمجة، فإنه لا يؤدي مهامه فحسب. إنه مرآة عصرية تعكس رغبة اليابان العميقة في تكنولوجيا تحمل قلباً إنسانياً.


🤖 بيبر Pepper : أكثر من آلة، رفيق

عندما صمم مهندسو سوفتبانك روبوتيكس بيبر، كان هاجسهم الأساسي هو التفاعل. ليس التفاعل الآلي الجاف، بل ذلك القائم على الحوار الصوتي، لغة الجسد، والشاشة التي يحملها على صدره ككتاب مفتوح. عشرون درجة حرية من رأسه إلى أطراف أصابعه تمنحه مرونة حركة طبيعية، تقترب من إنسانية محببة.

صندوق معرفة: تم تعيين بيبر رسمياً كـ “سفير” لمكتب رئاسة مجلس الوزراء الياباني لمكافحة كوفيد-١٩ والأمراض المعدية الطارئة. وهو دليل على الثقة الرسمية التي تمنحها اليابان لهذا الرفيق الآلي في المهمات المجتمعية الحساسة.

لكن روح بيبر Pepper الحقيقية لا تكمن في مواصفاته التقنية، بل في الفضاء الذي يخلقه حوله. في متجر، يلفت انتباه المارة بدقة تفوق العامل البشري بـ ١.٨ مرة، ليفسح المجال لبائع بشري لإكمال المهمة. في دار للمسنين، يؤدي تمرينات رياضية وينخرط في محادثات بسيطة، ليس فقط لتسلية المقيمين، بل لتخفيف العبء عن كاهل الممرضات، ليتمكنّ من تقديم الرعاية الأعمق.

🏫 الفصل الدراسي حيث يُبنى المستقبل: بيبر Pepper والمعلم الصغير

“كنا نريد أن نجعل الصباح أكثر بهجة”، هذا ما قاله طالب في الصف السادس بمدرسة ياناغاوا الابتدائية في حي كوتو بطوكيو. في قلب جائحة كورونا، حيث كانت الأجواء مثقلة بالقلق، فكر هؤلاء الأطفال: كيف يمكن لبيبر أن يساعد؟

لقد حوّلوا سؤالهم إلى مشروع تعليمي استمر ١٥ ساعة. بدأوا بتعلم كيف أن الروبوتات تدعم حياتنا، ثم شرعوا في برمجة بيبر ليستقبل الطلاب في الصباح بتحية مرحبة. ولكن التجربة الأولى كشفت عن تعقيد الواقع: كان البرنامج طويلاً، والصوت ضاع في ضجيز الرواق، ولم يلتفت الجميع.

“التعلم الحقيقي يبدأ من الفشل.”

لم يستسلموا. حلّلوا، ناقشوا، واختبروا من جديد. اختصروا البرنامج، ركزوا على التفاعل البسيط، وتخلوا عن التعرف على الوجوه في الزحام. في المحاولة الثانية، أصبح الصباح مختلفاً. ابتسامة بيبر البسيطة، وحركته المرحة، أصبحت شعاعاً من الدفء في روتين الصباح. هذه التجربة، التي وثقتها المدرسة نفسها في مدونتها الرسمية، لم تكن مجرد درس في البرمجة. بل كانت درساً في التعاطف، والعمل الجماعي، وحل المشكلات – وهي المهارات الأساسية لمجتمع ٥.٠ الذي تطمح إليه اليابان.

وهكذا، انتشر بيبر في أكثر من ألف مدرسة يابانية، وأصبح جزءاً من أربعين ألف حصة تعليمية. من ثانوية كوبي ياماتي العالمية حيث يساعد في حصص الرياضيات باللغة الإنجليزية، إلى جامعة فوكوشيما حيث يقود طلاب الجامعة ورشاً للأطفال، بيبر لم يعد أداة تعليمية. إنه زميل في رحلة الاكتشاف.


🏥 اللمسة الباردة التي تحمل دفئاً: بيبر Pepper في خطوط الدفاع الأمامية

في مستشفى شين سابورو للأعصاب، يقف بيبر عند المد الرئيسي. لكن هذا البيبر مختلف قليلاً؛ إنه “بيبر الحراري” المزود بكاميرا حرارية. يقيس درجة حرارة القادمين بدقة وسرعة، ويوجه من تظهر عليه علامات الحمى إلى المسار المناسب. العملية التي كانت تستغرق دقائق وتحتاج إلى فرد أمن أصبحت تتم في ثوانٍ، وبهدوء تام. يقول مدير المستشفى في تقرير لـ جريدة سانكي شيمبون: “لقد حررنا طاقتنا البشرية للرعاية، لا للفرز.”

وفي دور الرعاية، مثل دار أغابه هوم، يتحول بيبر إلى نجم صغير. يغني الأغاني القديمة التي تثير ذكريات المقيمين، ويقود جلسات التمارين الخفيفة، ويستمع إلى قصصهم بنفس الصبر الذي لا يتعب. إنه ليس بديلاً عن اللمسة البشرية، بل مكملاً لها، يملء الفراغ في الأوقات التي يكون فيها العاملون البشريون منهمكين.

🎌 الروح اليابانية في عصر الآلة: لماذا ينجح بيبر هنا؟

قد يتساءل المرء: لماذا يجد بيبر هذا الانتشار والقبول الخاص في المجتمع الياباني؟
الجواب قد يكمن في مفهوم “سون-مياو” (尊重) أي “الاحترام”. الاحترام الياباني للعالم من حوله يتجاوز البشر ليصل إلى الطبيعة، الأشياء، وحتى الآلات. إن نظرية “الشنتو” التي ترى الروح (كامي) في كل شيء، قد مهدت الطابع الثقافي لتقبل وجود “روح” أو شخصية في الآلة.

بيبر، بتصميمه الذي يشبه الطفل، ونبرة صوته الودودة، وحركاته غير المهددة، لا يحاول أن يكون إنساناً. إنه يحاول أن يكون جيداً في كونه روبوتاً صديقاً. هذه الصراحة تجعله محبوباً. إنه يعكس السعي الياباني نحو “وا” (和)، أي الانسجام، حتى مع التكنولوجيا الأكثر تقدماً.

جسر نحو غدٍ أكثر إنسانية

يقف بيبر على حافة ثقافية فريدة. هو نتاج أعقد ما أنتجته العقول الهندسية، لكنه يعمل في أبسط المهام وأكثرها إنسانية: الترحيب، والتسلية، والتعليم، والطمأنينة.

في نهاية اليوم، عندما يُطفأ الضوء في المركز التجاري أو الفصل الدراسي، ويظل بيبر واقفاً في مكانه، قد يبدو للبعض مجرد آلة خاملة. لكنه في الحقيقة يحمل شيئاً ثميناً: بصمات الآلاف من الأيادي الصغيرة التي برمجته، وذكريات الوجوه التي ابتسمت له، وأصداء الضحكات التي أثارها. إنه ليس مستقبل الروبوتات. إنه مرآة لحاضرنا، نسأل من خلالها: كيف نريد أن تكون علاقتنا مع التكنولوجيا التي نخلقها؟ هل ستكون علاقة سيطرة وخوف، أم شراكة واحترام؟

ربما تكمن الإجابة في عيون ذلك الطفل في طوكيو، الذي رأى في الكائن الأبيض ليس آلة، بل رفيقاً للعب.

المراجع اليابانية المعتمدة لهذا المقال

  • الموقع الرسمي لـ سوفتبانك روبوتيكس – مواصفات وبيانات بيبر.
  • مدونة مدرسة ياناغاوا الابتدائية (江東区立八名川小学校) – تقرير مشروع “صباح مبهج مع بيبر”.
  • جريدة سانكي شيمبون (産経新聞) – تقرير عن استخدام بيبر الحراري في المستشفيات.
  • وكالة الشؤون الثقافية – أبحاث حول التفاعل بين المجتمع والتكنولوجيا.
  • مجلة نيكي بيزنس (日経ビジネス) – تحليل لسوق الروبوتات الخدمية في اليابان.
  • تقارير حالة من دار أغابه هوم (アガペホーム) ومستشفى شين سابورو للأعصاب (新さっぽろ脳神経外科病院).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى