عدسة الذاكرة حين التقطت اليابان نفسها للمرة الأولى
عصر ميجي في صور عندما التقطت اليابان أولى لحظات تحولها التاريخي
كان المصور يضبط العدسة الثقيلة. أمامه، امتد مشهد لم يكن قد رآه أحد من قبل بهذه الطريقة: ساموراي يضع نظارة طبية، وجسر معلق حديث يُبنى خلف معبد خشبي قديم، وفتيات يرتدين الكيمونو وهن يحملن مظلات غربية. صرخة المعدن من أول قطار بخاري تختلط مع أجراس معبد. هذا هو صوت عصر ميجي.
في ذلك القرن التاسع عشر، بينما كانت اليابان تخلع درعها القديم وتلبس ثوب الحداثة، ولدت أداة غريبة قادرة على تجميد هذا التحول في إطار: الكاميرا. كتاب «الفن والإبداع»، الذي أصدره مشروع «كلمة» للترجمة في أبوظبي، ليس مجرد ألبوم صور. إنه سجل بصري للولادة الثانية لأمة، وشهادة على اللحظة الفاصلة التي التقط فيها الشعب الياباني نفسه للمرة الأولى، ليس بالفرشاة والحبر، بل بالضوء والفضة.

📸 ما بين الغلافين: العالم الذي اختفى والذي وُلِد
يقدم الكتاب، الذي نقلته إلى العربية دار نشر مرموقة بدعم من هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ( كلمة )مجموعة نادرة من الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى عصر ميجي (1868-1912). لكن هذه الصور تفعل أكثر من مجرد «توثيق». إنها تحكي قصة الانزياح الكبير.
صندوق معرفة: عصر ميجي (明治時代) يعني حرفياً «عصر الحكم المستنير». بدأ مع استعادة الإمبراطور ميجي للسلطة عام 1868، وانتهى بوفاته عام 1912. شهدت هذه الفترة إلغاء نظام الشوغونية والإقطاع، وبداية التحديث السريع على النمط الغربي، في عملية عُرفت باسم «بونمي كايكا» (文明開化)، أي «التحضر والتنوير».
- اليابان التي تختفي: نرى في الصور الأخيرة لـ «اليابان القديمة»: الساموراي بتسريحات «شاشة» التقليدية وأسلحتهم الطويلة، المباني الخشبية المنخفضة، والحرفيين في أحيائهم الضيقة. إنه عالم محكوم بـ «وا-بي-سابي» (الرصانة والبساطة).
- اليابان التي تولد: وفي اللقطة التالية، نرى التحول المفاجئ: ظهور السكك الحديدية، البنايات الطوبية على الطراز الغربي، الملابس الأوروبية، والمصانع الأولى. إنها ولادة «غايتسو» (التأثير الخارجي) وهو يهب على جسد اليابان.

🎌 القيمة الخفية: الصورة كوثيقة تاريخية وفلسفية
لم تكن هذه الصور مجرد تسلية للسياح الأجانب أو للأثرياء اليابانيين. كانت أداة فهم. في لحظة كانت اليابان تتغير فيها بسرعة تفوق قدرة الناس على الاستيعاب، قدمت الصورة الفوتوغرافية وقفة للتأمل.
- مرآة الهوية: نظر اليابانيون لأنفسهم في هذه الصور ليسألوا: من نحن الآن؟ بين التقاليد والحداثة، بين «واسيجي» (الأشياء اليابانية) و«يوفو» (الأشياء الغربية).
- أداة دعاية: استُخدمت الصور لتقديم صورة «متحضرة» و«حديثة» لليابان للعالم، لإقناع القوى الغربية بإلغاء المعاهدات غير المتكافئة.
- وثيقة أنثروبولوجية: التقطت التفاصيل اليومية التي قد ينساها التاريخ الرسمي: تعابير الوجوه، طريقة الجلوس، ترتيب الأشياء في الدكاكين والحرف.
🌉 لماذا يهمنا هذا الكتاب العربي اليوم؟
إصدار هذا الكتاب باللغة العربية، عبر مشروع جاد مثل «كلمة»، هو فعل ثقافي ذو دلالة عميقة. إنه يفتح نافذة للقارئ العربي على تجربة تحول حضاري فريدة، قد تجد صداها في أسئلة مشابهة تواجهها مجتمعاتنا اليوم:
- كيف تحافظ على روحك وأنت تتحدّث؟
- كيف تختار من العالم الخارجي ما يلائمك دون أن تفقد بوصلة هويتك؟
- ما دور الفن (والتصوير هنا) في توثيق وتسريع وانتقاد عملية التحديث هذه؟
الصور لا تجيب، لكنها تسأل. وهي تسأل القارئ العربي بقدر ما سألت الياباني قبل قرن ونصف.
🏮 الخاتمة: لحظة الضوء التي تجمدت
عندما نتصفح هذا الكتاب اليوم، لا ننظر فقط إلى ماضٍ بعيد. ننظر إلى لحظة الوعي. اللحظة التي التقط فيها اليابانيون، عبر تقنية غريبة، صورة لروحهم وهي تتشكل من جديد. بين الظلال والضوء في تلك الصور القديمة، نرى بذور طوكيو الحديثة، وهمسة كيوتو التقليدية، وخطوة الساموراي الأولى نحو أن يصبح رجل أعمال أو عالماً.
إنه تذكرة بأن التحديث لم يكن مجرد بناء جسور وسكك حديد. بل كان إعادة تعريف كاملة للإنسان والمكان والزمن. والصور، بصرامتها وصمتها، كانت الشاهد الأصدق.
المراجع المعتمدة لهذه التدوينة
- أرشيف المتحف الوطني للفن الحديث، طوكيو – قسم التصوير الفوتوغرافي المبكر.
- هيئة أبوظبي للثقافة والتراث
- كلمة
- معهد طوكيو للتصوير الفوتوغرافي – أبحاث عن المصورين الأوائل في عصر ميجي.
- المتحف الوطني للتاريخ الياباني (ريداي كوكوريتسو ريكيشي مينزوكو هاكوبوتسوكان) – معروضات عن الحياة اليومية في عصر ميجي.
- صحيفة ماينيتشي شيمبون (毎日新聞) – أرشيف مقالات تاريخية عن التحول الاجتماعي في فترة ميجي.
- موسوعة نيبونيكا اليابانية (日本大百科全書) – مداخل عن «بونمي كايكا» وفن التصوير في اليابان.
🎧 دعوة إلى بودكاست “بوابة اليابان”
ولمن يريد أن يسمع أكثر من صمت الصور… أن يسمع صرير عربة يابانية قديمة على طريق طوكيو الترابي، وهمس الحرير في أول كيمونو مُصمم على الطراز الغربي، ودهشة الرجل الياباني الأول الذي رأى صورته في «صندوق السحر» هذا…
في بودكاست «بوابة اليابان»، نذهب إلى ما وراء الإطار. نحاور مؤرخين عن دلالة تلك النظرة في عيون رجل ميجي، ونحلل كيف شكلت هذه اللقطات الأولى الخيال الجمعي لليابان الحديثة.
الحلقة القادمة: «من الساموراي إلى الرونين: رحلة الهوية في زمن التحول».
استمع معنا. وسترى أن كل صورة في ذلك الكتاب هي بداية حكاية، وليست نهايتها.




